الساحل الشرقي في الفجيرة (أ ف ب)
الساحل الشرقي في الفجيرة (أ ف ب)
الخميس 15 أكتوبر 2026 / 13:59

موانئ الساحل الشرقي.. استقلالية لوجستية إماراتية بعيداً عن اضطرابات الممرات

تشهد الاستراتيجية الجيواقتصادية لدولة الإمارات تحولاً مفصلياً يهدف إلى تعزيز مرونتها التجارية وحماية سلاسل الإمداد العالمية من التحديات اللوجستية والاضطرابات الأمنية التي تشهدها الممرات الملاحية الدولية. 

وكشف الإعلان الأخير لرئيس مجلس الإدارة التنفيذي لمجموعة موانئ دبي العالمية "دي بي ورلد"، عيسى كاظم، خلال ملتقى محمد بن راشد للقادة، عن ملامح خطة استباقية ضخمة تهدف إلى تطوير بوابات تجارية متكاملة على الساحل الشرقي للدولة عبر محطتي الرغيلات ودبا في إمارة الفجيرة.

محمد بن راشد ومنصور بن زايد يبحثان تعزيز التنمية وتسريع الإنجاز في الإمارات - موقع 24التقى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، الأربعاء، باستراحة المرموم في دبي، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، نائب رئيس الدولة نائب رئيس مجلس الوزراء رئيس ديوان الرئاسة.

وتُقدر الاستثمارات المقررة للمشروع بنحو 2.5 مليار درهم، ما يعادل نحو 680 مليون دولار، ولا يستهدف زيادة القدرات الاستيعابية فحسب، بل يمثل إعادة تموضع استراتيجي يمنح دبي والإمارات استقلالية لوجستية كاملة لتأمين تدفق البضائع بعيداً عن الممرات المائية المضطربة وحروب الملاحة. 

رفع قدرات المناولة

وتتجاوز خطة التوسع مجرد إضافة أرصفة بحرية إلى كونها قفزة هيكلية في قدرات المناولة اللوجستية للدولة. 

ووفقاً للبيانات الرسمية المفصح عنها، تتوزع المستهدفات التشغيلية للمحطتين الجديدتين بدقة لتلبية متطلبات التجارة المستقبلية، حيث صُممت محطة الرغيلات لتكون بوابة قادرة على استقبال الجيل الأحدث من سفن الحاويات فائقة الضخامة. 

وستصل طاقتها الاستيعابية إلى 2.5 مليون حاوية نمطية سنوياً، إضافة إلى مناولة 1.7 مليون طن من البضائع العامة و190 ألف مركبة عبر سفن الدحرجة، فيما ستركز محطة دبا على تعزيز قطاع المواد غير المعبأة عبر إضافة طاقة استيعابية تصل إلى 3.6 ملايين طن من البضائع العامة سنوياً. 

وعند اكتمال المشروع وتشغيله بالكامل خلال فترة زمنية متوقعة تتراوح بين 24 إلى 36 شهراً، سيرتفع إجمالي الطاقة الاستيعابية لموانئ "دي بي ورلد" داخل دولة الإمارات من 19.4 مليون حاوية نمطية إلى نحو 22 مليون حاوية نمطية سنوياً. 

وتكشف القفزة الرقمية عن نمو بنسبة تقارب 13.4% في القدرة الاستيعابية الإجمالية لحاويات المجموعة داخل الدولة، مما يرسخ تفوقها الإقليمي كمركز محوري لإعادة الشحن. 

"مخرج طوارئ استراتيجي"

وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس للغاية يعيش فيه قطاع الملاحة البحرية الدولي، حالة من عدم اليقين نتيجة التوترات الجيوسياسية المستمرة في الشرق الأوسط واستهداف السفن التجارية. 

وبما أن الشريان التجاري الرئيسي للإمارات يعتمد تاريخياً على موانئ الخليج العربي، وبشكل خاص ميناء جبل علي، الذي يتطلب الوصول إليه عبور مضيق هرمز، فإن تأسيس بوابات تجارية متكاملة على الساحل الشرقي المطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي يمنح دولة الإمارات "مخرج طوارئ استراتيجي" فائق الفعالية. 

وعبر ربط محطتي الرغيلات ودبا بشبكة النقل والخدمات اللوجستية الداخلية، ومنظومة المنطقة الحرة لجبل علي "جافزا"، سيتم تشكيل جسر بري بحري يتيح للمستوردين والمصدرين تفريغ الشحنات وتداولها على الساحل الشرقي ثم نقلها برياً عبر الدولة في غضون ساعات، ما يضمن تدفق البضائع دون انقطاع حتى في أحلك ظروف الأزمات البحرية الإقليمية. 

"دي بي ورلد" تدير 80 ميناءً في 6 قارات و10% من تجارة الحاويات العالمية.. كيف تطورت؟ - موقع 24أكد رئيس مجلس إدارة مجموعة موانئ دبي العالمية "دي بي ورلد"، عيسى كاظم، أن دبي اعتمدت دائماً نهج الاستباقية في توقع احتياجات التجارة المستقبلية، ولم تنتظر يوماً تجاوز الطلب الطاقة الاستيعابية لحركة التجارة، مرسخة بذلك نموذجاً مستداماً يجسد إيمان القيادة الرشيدة بأن المستقبل يُصنع ولا ...

ولا تقتصر الخطة على الداخل الإماراتي، بل تمتد لبناء مسارات تجارية جديدة تربط موانئ سلطنة عُمان بدبي، ما يخلق كتلة لوجستية موحدة على شواطئ المحيط الهندي توفر خيارات أكثر مرونة وسرعة لحركة التجارة العالمية، ويقلل تكاليف التأمين ضد مخاطر الحروب التي تكبل السفن العابرة للممرات المائية الضيقة. 

نموذج متقدم

وترى المؤسسات المالية والتحليلية الدولية أن استراتيجية "دي بي ورلد" تمثل نموذجاً متقدماً في إدارة المخاطر الكلية. 

وفي أحدث التقارير الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني الكبرى وبيانات الأداء المالي للمجموعة، يظهر بوضوح كيف تترجم هذه المرونة الجغرافية إلى استقرار مالي، حيث أظهرت النتائج المالية لـ"دي بي ورلد" تحقيق إيرادات بلغت 12.7 مليار دولار بزيادة تبلغ 13.1% على أساس سنوي. 

ويتضح من خلال القراءة التحليلية لهذه الأرقام أن نمو قطاعات الخدمات اللوجستية والخدمات البحرية والموانئ الدولية للمجموعة نجح في تعويض أي انخفاض مؤقت في النشاط ناجم عن تأثر حركة السفن في مضيق هرمز والخليج العربي. 

وتشير تحليلات الخبراء في المؤسسات الدولية إلى أن بنية دبي التحتية اللوجستية تمتلك طاقة مرنة عالية، فحينما تتراجع حركة الملاحة في جبل علي بسبب اضطراب مائي معين، تنمو أحجام المناولة في الموانئ البديلة والمناطق الداخلية بنسب تتجاوز 6.5%. 

وتؤكد تقارير الاستدامة الاقتصادية الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أن الدول التي تستثمر في البنية التحتية متعددة الوسائط، التي تشمل موانئ على بحار مختلفة وشبكات ربط بري وسكك حديدية، تكون أقل عرضة للصدمات الخارجية بنسبة تصل إلى 40% مقارنة بالدول التي تعتمد على ممر مائي أوحد. 

استباق الاحتياجات المستقبلية

ويؤكد عيسى كاظم أن التوسع في الساحل الشرقي يعد مثالاً على استباق احتياجات التجارة المستقبلية، إذ لا تستهدف مشروعات البنية التحتية تلبية الطلب الحالي فحسب، بل الاستعداد للنمو المتوقع. 

ويشير إلى أن الفلسفة القائمة على بناء البنية التحتية قبل ظهور الحاجة إليها هي ذاتها التي حولت دبي من ميناء إقليمي صغير إلى عاصمة لوجستية عالمية، والمرحلة المقبلة من هذا التوسع لا تنظر إلى محطتي الفجيرة كمشروع محلي معزول، بل كحلقة وصل في منظومة مترابطة ممتدة وعابرة للقارات. 

وفي الوقت الذي تؤمن فيه الدولة بواباتها الشرقية، تعمل بالتوازي على مسارات تربطها بسلطنة عُمان، وتستثمر في تطوير جيل جديد من البنية التحتية للتجارة العالمية تشمل تحديث وتطوير ميناء طرطوس في بلاد الشام لتعزيز الربط مع الأسواق الإقليمية، وتطوير مشروع ميناء نديان العميق في السنغال كبوابة مائية لغرب القارة الأفريقية، إلى جانب اقتناص فرص استثمارية واعدة في كندا لزيادة الترابط في قارة أمريكا الشمالية وعبر القارات. 

وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن مشروع تطوير محطتي الرغيلات ودبا في الفجيرة ليس مجرد صفقة تجارية بمليارات الدراهم، بل هو خطوة سيادية بامتياز لتأمين الأمن الغذائي والتجاري لدولة الإمارات وعموم منطقة الخليج. 

ومن خلال هذا المشروع، تفكك الإمارات أي إمكانية لفرض حصار لوجستي عليها جراء النزاعات الإقليمية، وتمنح خطوط الشحن العالمية بدائل تشغيلية آمنة وثابتة. 

ومع وصول الطاقة الاستيعابية إلى 22 مليون حاوية سنوياً داخل الدولة، وربطها بمسارات برية وبحرية مرنة مع عمان ودول الجوار، تثبت دبي مجدداً أن مرونتها وقدرتها على التكيف هي المحرك الحقيقي لاستدامة نموها الاقتصادي، لتظل دائماً في صدارة المشهد اللوجستي العالمي مهما بلغت حدة العواصف المحيطة.