الجمعة 30 أكتوبر 2026 / 14:02
في وقت تعاني فيه العديد من الاقتصادات الناشئة والمفتوحة من تقلبات حادة في تدفقات رؤوس الأموال نتيجة للاستقطاب الجيوسياسي المتزايد وتفتت سلاسل الإمداد العالمية، نجحت دولة الإمارات في بناء جدار حماية نقدي غير مسبوق.
وتظهر بيانات حديثة صادرة عن مصرف الإمارات المركزي أن نسبة تغطية القاعدة النقدية بالاحتياطيات الأجنبية قفزت إلى مستوى قياسي تاريخي يقترب من 120% في عام 2026.
ولا يعكس هذا الرقم المتنامي فقط الملاءة المالية العالية لدولة الإمارات، بل يمثل ترسانة دفاعية متكاملة تضمن استقرار العملة الوطنية المرتبطة بالدولار الأمريكي، ويعزز من جاذبية الدولة كملاذ استثماري آمن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
تأتي القفزة القياسية مدعومة بتدفقات قوية ومستمرة للعملات الأجنبية الناتجة عن الارتفاع المستقر لعائدات الهيدروكربون، وتنامي الصادرات غير النفطية، والنجاح المستمر في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
مصدات مالية خارجية
وتتكامل الاحتياطيات الضخمة مع مصدات خارجية استثنائية تتمثل في الأصول السيادية الضخمة التي تديرها صناديق الثروة في الدولة، مما دفع صافي وضع الاستثمار الدولي ليتجاوز حاجز الـ 200% من الناتج المحلي الإجمالي في الآونة الأخيرة.
"المركزي الإماراتي" يضخ 24 مليار درهم سيولة في الأسواق خلال 5 أشهر - موقع 24بلغت قيمة السيولة التي ضخها مصرف الإمارات المركزي في السوق من خلال البنوك 24 مليار درهم خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026، وذلك وفقاً للإحصاءات الصادرة عن المصرف.
وأشاد صندوق النقد الدولي في تقاريره ومشوراته الأخيرة المتعلقة بالمادة الرابعة بالمرونة العالية التي يظهرها الاقتصاد الإماراتي.
وأكد خبراء الصندوق، أن بناء الاحتياطيات الأجنبية بنسبة تغطية تتجاوز القاعدة النقدية بالكامل وتصل لـ 120% يمنح السياسة النقدية في دولة الإمارات مساحة مناورة استثنائية لامتصاص أي صدمات خارجية مفاجئة دون التأثير على استقرار الاقتصاد الكلي أو إحداث تشوهات في الهيكل السعري.
صدقية نظام الصرف
كما اعتبرت مؤسسات التصنيف الائتماني العالمية، أن المستويات القياسية من الاحتياطيات تعد الضامن الأساسي لصدقية نظام سعر الصرف الثابت.
وأشارت، إلى أن التزام الإمارات بالحفاظ على ربط الدرهم بالدولار يتطلب بانتظام وجود قوى استيعابية مالية قادرة على تلبية أي طلب مفاجئ على النقد الأجنبي، وهو ما يتوفر حالياً، مما يقلل من علاوة المخاطر السيادية للبنوك الإماراتية ويخفض تكلفة التمويل في الأسواق الدولية.
ومن الناحية الفنية، تفرض معادلة ربط الدرهم بالدولار قيوداً هيكلية على استقلالية السياسة النقدية فيما يتعلق بتحديد أسعار الفائدة، حيث يتعين على المصرف المركزي الإماراتي تتبع خطوات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أو خفض الفائدة لمنع أي عمليات مضاربة قد تضر بتدفقات رؤوس الأموال.
لذلك، نقل المصرف المركزي معركته الأساسية لحماية الاستقرار المالي من تحديد السعر إلى إدارة الكمية عَبْر إطار نقدي متطور يعرف بإطار الدرهم النقدي الذي جرى تفعيله بكفاءة عالية.
السوق المفتوحة
وبحسب دراسة معمقة أصدرها المصرف، فإن الأداة الرافعة الأساسية للسياسة النقدية تكمن في عمليات السوق المفتوحة لإدارة كميات السيولة الفائضة داخل الجهاز المصرفي، وتحديداً عَبْر إصدار الأذونات النقدية وشهادات الإيداع الإسلامية.
أصول بنوك الإمارات عند 5.74 تريليون درهم.. نمو الائتمان والودائع في أغسطس - موقع 24ارتفع إجمالي أصول البنوك في الإمارات بنسبة 1.3% على أساس شهري، ليبلغ 5,741.3 مليار درهم في أغسطس (آب) 2026، فيما زاد إجمالي الائتمان بنسبة 2.6% إلى 2,871.4 مليار درهم، وفق الإحصاءات النقدية والمالية الصادرة عن مصرف الإمارات المركزي.
وتهدف هذه الهندسة المالية إلى الحفاظ على مستويات سيولة مريحة لكن غير مفرطة، لضمان بقاء أسعار الفائدة في سوق الإنتربانك متماشية تماماً مع السعر الأساسي للمصرف المركزي، ومنع التدفقات النقدية الضخمة من إحداث قفزات تضخمية غير مبررة أو طفرات ائتمانية تنفصل عن المقومات الحقيقية للاقتصاد.
وفي هذا السياق، قدمت ورقة بحثية صادرة عن المصرف المركزي تحليلاً كمياً متطوراً عَبْر نموذج اقتصادي قياسي لدراسة مدى تأثر الأوضاع المالية المحلية بالصدمات الخارجية.
وخلص التقرير إلى نتيجة جوهرية تكشف عن طابع غير متماثل في آلية الانتقال النقدي بناءً على بيئتين أو نظامين للسيولة داخل البنوك.
فائض السيولة
في البيئة الأولى، والمعروفة بنظام فائض السيولة المرتفع، تظهر البيانات أنه عندما تكون السيولة داخل النظام المصرفي وفيرة وفوق معدلاتها التاريخية، فإن تدفقات رؤوس الأموال عَبْر الحدود يكون أثرها محدوداً للغاية على حركة الائتمان أو النشاط الاقتصادي الحقيقي، وتصبح البنوك في هذه الحالة ممتلكة لمصدات ذاتية تمكنها من مواصلة تمويل القطاعات الإنتاجية دون التأثير على استقرار الائتمان.
أما في البيئة الثانية، والمعروفة بنظام فائض السيولة المنخفض، فيتحول النطاق إلى مسار حرج، حيث تبين المؤشرات أنه عندما تنخفض مستويات السيولة الإجمالية عن منحاها التاريخي، تُصبح البنوك حساسة للغاية تجاه التدفقات الخارجية وتتضاعف قوة صدمات رأس المال، مما يؤدي إلى خروج السيولة الأجنبية ودفع البنوك نحو تقليص محفظتها الائتمانية بشكل فوري والتشدد في منح القروض للشركات للحفاظ على مراكز السيولة لديها.
وتوضح النتائج بدقة سبب إصرار المصرف المركزي على الاحتفاظ بمستويات فائض سيولة مثالية وعالية، حيث تعمل هذه السيولة المتراكمة كممتص صدمات يعزل قطاع الائتمان المحلي تماماً عن التقلبات المالية العالمية الصاخبة.
التجربة الإماراتية
على عكس النظريات الاقتصادية التقليدية التي تحذر من أن تراكم الاحتياطيات الأجنبية الضخمة وتدفقات رؤوس الأموال يؤدي تلقائياً إلى قفزات في معدلات التضخم، أثبتت التجربة الإماراتية كفاءة أدوات التعقيم النقدي.
فمن خلال سحب السيولة الزائدة بانتظام وإلزام البنوك بمتطلبات الاحتياطي الإلزامي الموحد، استقرت معدلات التضخم وتراجعت بسرعة بعد أي صدمة خارجية.
وبالإضافة إلى ذلك، أشارت الإحصائيات إلى أن القنوات الرئيسية التي تظهر فيها آثار تدفقات رأس المال الواردة في بيئات السيولة العالية لا تمر عَبْر الائتمان المصرفي المباشر، بل تتجه نحو أسواق الأصول وقنوات الاستثمار العقاري، حيث يساهم الطلب الخارجي في إنعاش القطاع العقاري السكني والتجاري عَبْر التدفقات النقدية المباشرة دون الضغط على المحافظ الائتمانية للبنوك المحلية، مما يعزز من ثروات الأسر وثقة الأعمال ويحرك عجلة الاقتصاد بطريقة آمنة.
استراتيجية التحول الرقمي
ورغم المؤشرات الايجابية الحالية، يرى مصرف الإمارات المركزي أن هناك نوعاً جديداً من التحديات اللامركزية يتشكل عَبْر الحدود، حيث إن الصعود المتسارع للعملات المستقرة المقومة بالدولار الأمريكي والأصول المشفرة يمتلك القدرة على خلق قنوات مالية موازية قد تتجاوز الميزانية العمومية للمصرف المركزي وتؤثر على ربحية وودائع البنوك التجارية.
ولمواجهة هذه المخاطر وتقليل الاعتماد على التدفقات والتدخلات المكثفة في أسواق الصرف، تتبنى دولة الإمارات إستراتيجية تحول رقمي نقدي صارمة من خلال تسريع الخطى لتطوير الدرهم الرقمي وإرساء أطر تنظيمية شاملة ومشددة لخدمات الرموز المميزة والدفع.
وتهدف المشاريع المصممة بتغطية كاملة من الأصول وتحت رقابة صارمة، إلى ضمان استمرار سيطرة المركزي على معروض النقد، والحفاظ على مرونة الطلب على الاحتياطي، وحماية السيادة النقدية والمالية للدولة في عصر الاقتصاد الرقمي.
وبإيجاز شديد، توضح البيانات القياسية لعام 2026 أن الإمارات لم تعد تكتفي بكونها اقتصاداً نفطياً قوياً، بل باتت نموذجاً دولياً يُحتذى به في إستراتيجيات التعقيم النقدي وإدارة السيولة السيادية، مستندة إلى قاعدة صلبة من الاحتياطيات الأجنبية التي تسيّج أمنها المالي ضد أي عواصف اقتصادية عالمية قد تحملها السنوات المقبلة.