(رويترز)
(رويترز)
الجمعة 30 أكتوبر 2026 / 16:07

الذكاء الاصطناعي.. هل يسد نقص العمالة أم يهدد فرص الشباب؟

تختلف تداعيات الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل باختلاف التركيبة السكانية واحتياجات الاقتصادات، ففي الدول التي تشيخ مجتمعاتها وتتراجع فيها أعداد العاملين، قد تساعد التكنولوجيا على تعويض نقص الموظفين والحفاظ على الإنتاجية، بينما تواجه الاقتصادات التي تتزايد فيها أعداد الشباب تحدياً مختلفاً، يتمثل في احتمال تقلص فرص التوظيف، خصوصاً للداخلين الجدد إلى سوق العمل.

الأتمتة قد تسد نقص العاملين في مجتمع وتقلص التعيينات الجديدة في آخر

ولا يتوقف تأثير الذكاء الاصطناعي على قدرته على أتمتة المهام، بل يرتبط أيضاً بمدى حاجة سوق العمل إلى موظفين جدد، وقدرة الاقتصاد على توفير فرص بديلة للمتضررين من التحول التكنولوجي.

وفي مقال نشرته منصة "VoxEU" التابعة لمركز أبحاث السياسات الاقتصادية، الجمعة 30 أكتوبر (تشرين الأول)، يناقش إيفايلو إيزفورسكي، رئيس الخبراء الاقتصاديين لمنطقة أوروبا وآسيا الوسطى في البنك الدولي، وفيليب يوليفسكي، الخبير الاقتصادي في البنك الدولي، كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تخفيف نقص العاملين في دول أوروبا وآسيا الوسطى، عبر رفع الإنتاجية وتوسيع المشاركة الاقتصادية وإطالة الحياة المهنية، من دون أن يلغي ذلك تداعيات الشيخوخة السكانية.

تفاوت الخوف على الوظيفة

وبينما يطرح المقال التكنولوجيا وسيلة لتخفيف نقص العاملين، يكشف استطلاع "غالوب إنترناشونال" عن تفاوت في نظرة الأفراد إلى تأثيرها على وظائفهم. وشمل الاستطلاع أكثر من 60 ألف شخص في 61 دولة، وأُجري بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وسأل المشاركين عن مدى قلقهم من أن يحل الذكاء الاصطناعي محلهم في وظائفهم.

طفرة الذكاء الاصطناعي تهدد وظائف الصينيين - موقع 24طُلب من المبرمج فاي تشاو جون من جانب مديره تقييم ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادراً قريباً على إحلال البشر في وظائف البرمجة. وبعد أسبوعين فقط، وجد نفسه خارج العمل إلى جانب 160 من زملائه.

وجاء القلق أعلى في اقتصادات ناشئة، منها الفلبين والهند وإندونيسيا، وأقل في دول مثل السويد والنرويج والدنمارك. وعالمياً، أعرب 36% عن قلقهم، مقابل 46% لم يشعروا بالقلق، فيما أفاد 14% بأنهم خارج القوى العاملة.

وأظهر الاستطلاع أن القلق يميل إلى الانخفاض مع التقدم في العمر، ويرتفع بين الأقل دخلاً وتعليماً، لكنه لم يعزل الشيخوخة السكانية باعتبارها سبباً مستقلاً للفروق بين البلدان.

نقص العاملين يغير الحساب

وتقول الخبيرة الاقتصادية سمر عادل لـ24: "الاختلاف الديموغرافي يغير الحساب الاقتصادي للأتمتة. عندما تعجز شركة عن شغل وظائفها، تصبح التكنولوجيا وسيلة للحفاظ على الإنتاج. أما عندما يتوافد شباب إلى سوق لا تولد فرصاً كافية، فقد يقل عدد التعيينات الجديدة مع توسع الإنتاج".

ويتقاطع هذا التفسير مع ما يطرحه اقتصاديا البنك الدولي، ففي الأسواق التي تعاني نقص الموظفين، يمكن لأتمتة مهام مثل معالجة الوثائق والرد على استفسارات العملاء أن تخفف النقص، بدلاً من أن تؤدي بالضرورة إلى الاستغناء عن موظفين يشغلون هذه الوظائف. كما قد تساعد الأدوات التكنولوجية العاملين الأكبر سناً على الاستمرار في العمل.

أتمتة التصنيع تسد فجوة نقص العمالة بقطاع بناء السفن الأمريكي - موقع 24تراهن الصناعة الأمريكية على الروبوتات والذكاء الاصطناعي لتوسيع الإنتاج ومواجهة نقص العمالة الماهرة، في وقت تتصاعد فيه المنافسة مع الصين. ويبرز مشروع حوض بناء السفن "بورت ألفا" في براونزفيل بولاية تكساس، باستثمارات 3.2 مليارات دولار وخطط لتوفير 10 آلاف وظيفة، نموذجاً للجمع بين الأتمتة ...

غير أن الحاجة إلى تعويض نقص العاملين لا تعني أن الأتمتة قادرة على ذلك في جميع القطاعات. إذ وجدت دراسة لبنك التسويات الدولية، شملت أكثر من 130 اقتصاداً، أن الأتمتة أسهل في قطاعات تضم عمالة أصغر سناً، مثل التمويل، مقارنة بقطاعات تضم نسبة أكبر من العاملين الأكبر سناً، مثل الزراعة والصحة، ما يحد من قدرتها على معالجة بعض تداعيات الشيخوخة السكانية.

الشباب يخشون إغلاق أبواب الدخول

وفي مقابل الشواغر التي تبحث عن عاملين، يسلط تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي "التباعد الكبير المقبل"، الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، الضوء على التحديات التي تواجه الشباب الباحثين عن فرص عمل.

ويربط التقرير بين الأعداد الكبيرة من الشباب الداخلين إلى أسواق العمل الآسيوية وقدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ مهام مثل الصياغة والترجمة ومعالجة المعلومات، وهي مهام تشكل جزءاً من الوظائف التي يبدأ بها كثير من العاملين مساراتهم المهنية.

ويحذر التقرير من أن تراجع هذه الوظائف قد يقلص فرص اكتساب الخبرة وبناء المسارات المهنية، ويرفع معدلات البطالة والعمل الناقص إذا سبق انتشار التكنولوجيا توفير التأهيل المناسب، خصوصاً في الاقتصادات التي تفتقر إلى شبكات حماية اجتماعية كافية.

وتوضح سمر عادل: "في سوق تحتاج إلى تعويض عامل يغادر بسبب التقاعد، قد تساعد الأتمتة على سد نقص قائم. أما في سوق تستقبل شاباً يدخل سوق العمل للمرة الأولى، فيصبح السؤال ما إذا كانت زيادة الإنتاج ستولد فرصاً جديدة، أم ستتيح للشركات التوسع بعدد أقل من الموظفين".

الأمان الاقتصادي يصنع فرقاً

ولا يرتبط تفاوت القلق على الوظائف بأعمار السكان وحدها، إذ يربط استطلاع "غالوب إنترناشونال" المخاوف أيضاً بمستويات الدخل والتعليم والقدرة المتصورة على التكيف مع التغيرات التكنولوجية. لذلك، لا تعني النتائج أن جميع المجتمعات المسنّة أقل قلقاً، أو أن كل اقتصاد شاب سيفقد وظائفه.

وترى سمر عادل أن "انخفاض التعرض الإجمالي لا يعني انخفاض الكلفة الاجتماعية"، موضحة أن "خسارة وظائف رسمية جيدة قد تضيق فرص الانتقال إلى وظائف أفضل".

وتشدد على أهمية "قياس أثر التكنولوجيا على فرص دخول سوق العمل، وليس على حالات تسريح الموظفين الحاليين فقط، مع الانتباه إلى قدرة الشركات الصغيرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في توسيع أعمالها وخلق فرص عمل جديدة".